أحمد بن يحيى العمري

352

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

قلت : أنشدني شيخنا أبو الثناء الكاتب رحمه الله تعالى هذه الأبيات ، وقال : كان من خبرها أن ابن هود حجّ ، فلما أتى المدينة ، وشارف أعلامها ، نزل عن دابته واغتسل ، ولبس ثيابا نظافا ، ثم جعل يمشي ، وهو يهمهم بكلام خفي سمعه بعض من كان يمشي خلفه ، فإذا هو يقول : نزلنا عن الأكوار نمشي كرامة * لمن حلّ أن نلم به ركبا ثم لم يزل يطأ من رأسه ، ويخضع حتى أتى باب المسجد وكأنه راكع ، فسلّم على النبي صلى الله عليه وسلم من ظاهر الحجرة ، بأكمل الأدب ، ثم صلى ركعتي التحية بالروضة ، ثم خرج إلى الزيارة ، فجلس على الرمل ، ثم جعل يبكي ويخط على الرمل الأبيات ، فقرأها بعض الحاضرين ، فحفظها ، وأنشدها عنه . قلت : حدّثت بهذا الشيخ سعيد خادم ابن هود ، فقال : صحيح . وحكى لي شيخنا أبو الثناء قال : أتى لاجين نائب الشام ، وحسام الدين الرازي ابن هود ، وهو لا يعرفهما ، وكان مع لاجين سجادة ، ففرشها تحت ابن هود بيده ، وساعده الرازي . فقال له بعض من عنده : يا سيدي ! هذا نائب الشام ، وبيده قد فرش لك السجادة ، وهذا الذي معه من أكابر العلماء . فقال : بارك الله فيهما ، والله ما فرش إلي السجادة إلا ليجلس على سرير الملك ، وصاحبه قاضي القضاة . وكان ابن هود ذا علم جمّ ، ولكن كانت الغيبة غالبة عليه ، ولقد كان يبقى الأيام والليالي لا يأكل طعاما ، ولا يشرب شرابا ، وكان كثيرا ما يقعد في مقابر كيسان مستدبرا للمدينة ، متوجها إلى القبلة ، ويبقى الأيام الكثيرة في الحر والبرد ، لا يتغير من مكانه ، ولقد رأيته هناك في زمان صيف شديد ، وقد لفحته هواجر الحر ، وأثر فيه السموم ، وكانت بيني وبينه صحبة ، ووقفت أمامه ، وأنشدته : أنت المنية والمنى فيك استوى * ظل الغمامة والهجير المحرّق فرفع رأسه إليّ وقال : من تكون ؟ فعرّفته بنفسي ، فقال : ما أعرفك ، فانصرفت ، وأنا